محمد بن جرير الطبري

98

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قوله : غُثاءً أَحْوى قال : غثاء السيل أحوى ، قال : أسود . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : غُثاءً أَحْوى قال : يعود يبسا بعد خضرة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى قال : كان بقلا ونباتا أخضر ، ثم هاج فيبس ، فصار غثاء أحوى ، تذهب به الرياح والسيول . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم ، وأن معنى الكلام : والذي أخرج المرعى أحوى : أي أخضر إلى السواد ، فجعله غثاء بعد ذلك ، ويعتل لقوله ذلك بقول ذي الرمة : حواء قرحاء أشراطية وكفت * فيها الذهاب وحفتها البراعيم وهذا القول وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدت خضرته من النبات ، قد تسميه العرب أسود ، غير صواب عندي بخلافه تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه ، أو تأخيره ، فإما وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير . وقوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى يقول تعالى ذكره : سنقرئك يا محمد هذا القرآن فلا تنساه ، إلا ما شاء الله . ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فقال بعضهم : هذا إخبار من الله نبيه عليه الصلاة والسلام أنه يعلمه هذا القرآن ، ويحفظه عليه ، ونهي منه أن يعجل بقراءته ، كما قال جل ثناؤه : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى قال : كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى . فقال قائلوا هذه المقالة هذا إخبار من الله نبيه عليه الصلاة والسلام أنه يعلمه هذا القرآن ، ويحفظه عليه ، ونهي منه أن يعجل بقراءته : معنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان ، ومعنى الكلام : فلا تنسى ، إلا ما شاء الله أن تنساه ، ولا تذكره ، قالوا : ذلك هو ما نسخه الله من القرآن ، فرفع حكمه وتلاوته . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى كان صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ . وقال آخرون : معنى النسيان في هذا الموضع : الترك ؛ وقالوا : معنى الكلام : سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشيء منه ، إلا ما شاء الله أن تترك العمل به ، مما ننسخه . وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك : لم يشأ الله أن تنسى شيئا ، وهو كقوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ * ولا يشاء . قال : وأنت قائل في الكلام : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت ، وإلا أن أشاء أن أمنعك ، والنية أن لا تمنعه ، ولاتشاء شيئا . قال : وعلى هذا مجاري الأيمان ، يستثني فيها ، ونية الحالف : اللمام . والقول الذي هو أولى بالصواب عندي ، قول من قال : معنى ذلك : فلا تنسى إلا أن نشاء نحن أن ننسيكه بنسخه ورفعه . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن ذلك أظهر معانيه . وقوله إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى يقول تعالى ذكره : إن الله يعلم الجهر يا محمد من عملك ، ما أظهرته وأعلنته وَما يَخْفى يقول : وما يخفى منه فلم تظهره ، مما كتمته ، يقول : هو يعلم جميع أعمالك ، سرها وعلانيتها ؛ يقول : فاحذره أن يطلع عليك وأنت عامل في حال من أحوالك بغير الذي أذن لك به . القول في تأويل قوله تعالى : وَنُيَسِّرُكَ